عبد الملك بن زهر الأندلسي
مقدمة 16
التيسير في المداواة والتدبير
في تأليف معجم للمصطلحات الطبية العربية ، وإن كانت لغة العلم جارت على أسلوب ابن زهر في بعض المواطن من كتابه ، فإننا نجد في بعض جوانب من الكتاب أسلوبا أدبيا رائعا ، وذلك حين يسترسل مع ذكرياته وتجاربه ، أو حين يقدم وصفة عامة لطبيب يتخيل أنه ماثل بين يديه ، يقول في ص 266 « فإن منّ اللّه عليك وعلى عليلك على يديك ، فتحلل الورم وارتدع منه ما ارتدع ، فتعلم أن الذي منحك عظيم » ، وينقل قول والده له « سخنت عيني بك » . ويحدثنا عن رجل متسلط كاد أن يودي به جبروته لولا لطف اللّه : « وتلقاني على قدم لأقدمه اللّه لخيرته » « 5 » ويقول : « فوجدت الرجل قد أخذه اللّه بقدرته ولطفه ، وهو لا يفهم ولا يفهم إلا بعسر » « 6 » ومثل هذه العبارات المتقدمة وغيرها كثير ، يدلنا على أنّ ابن زهر كان يمتلك بيانا ناصعا مشرقا يمتاز بجزالة اللفظ ، وسعة الخيال ، ومتانة التراكيب . هذا حين يتحلل من لغة الطب وما تحتاج إليه هذه المهنة من اصطلاحات وتراكيب ، لعلها نتيجة تمازج اللغات وما درج على ألسنة العاملين في هذه المهنة . وما دمنا في معرض الحديث عن أسلوب ابن زهر فلا بأس أن نتطرق إلى الحديث عن إيمانه وصحة معتقده ، لتفنيد الزعم القائل بيهوديته . إن قارئ كتاب التيسير يحس فيه بتفكير الرجل المؤمن ، الذي يستعمل العقل ويعتمد على التجربة ، ويخضع في كل أعماله إلى معطيات الواقع ، ولكن ذلك لا يمنعه من الاستسلام لإرادة اللّه في لحظة يعجز فيها العقل البشري ،
--> ( 5 ) يرى الدكتور عبد الكريم اليافي في بحث نشره عن آل زهر أن كتاب الزينة هو كتاب الاقتصاد . ( 6 ) من هذا الكتاب نسخة مخطوطة في دار الكتب الوطنية في باريس تحت رقم 2959 ، وفي مكتبة الاسكوريال نسخة أخرى لكتاب الاقتصاد رقمها 834 . وانظر تعريفا وافيا لهذا الكتاب والذي يليه في بحث كتبه المحقق في مجلة المجمع . م 49 / 1974 ( 789 - 809 ) .